والمتأمل في واقع الناس وما يراه من تخبط في الفتوى ومن جرأة على القول على الله بغير علم، يرى مصداق ما أخبر صلى الله عليه وسلم، وهناك مشهد آخر عبر عنه الإمام ابن القيم- رحمه الله- في فوائده حين قال: «علماء السوء، جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم؛ فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم. فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له؛ فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع طرق» .
وهناك مشهد ثالث وهو مشهد أناس من جلدتنا يتكلمون بألستنا هم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمشاهد كثيرة، ولنعد إلى ما عزمنا على الحديث عنه من فوائد، وعندما أبدأ في ذلك لا يمكنني أن أتعدى الإمام ابن القيم إلى غيره إن وجدت له في الباب شيئًا، وقد وجدت له والحمد لله مادة غزيرة في هذا الباب، قال رحمه الله تعليقًا على الآيات التي نحن بصددها: «شبه- سبحانه- من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره، فترك العمل به واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، بالكلب الذي هو من أخس الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم، ويستروح حرصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر جسده، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمه، وهو من أمهر الحيوانات وأحملها للهوان، وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة المروحة (1) أحب إليه من اللحم، والعذرة أحب إليه من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لا يحب أن يشاركه فيها كلب آخر» .