ثم قال: «وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الآخرة- مع وفور علمه- بالكلب في حال لهثه سر بديع وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه: إنما كان لشدة لهفه على الدنيا؛ لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه، واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى» . اهـ مختصرًا من «بدائع التفسير» .
وأنت تلاحظ أخي القارئ الكريم أن وجه الشبه الجامع بين الذي اتبع هواه وبين الكلب هو اللهث في طلب الدنيا حتى صار طلب الدنيا يتحكم في نبضات قلوب ضحايا الحضارة الحديثة في أوربا وعاصمتها الجديدة اليوم أمريكا، وقد كنت أتساءل كثيرًا عن سبب ولوعهم بالكلاب وحبهم لها، حتى صارت الكلاب جزءًا لا يتجزأ من حياة الصغير والكبير والرئيس والمرؤوس، المرأة والرجل، حتى صارت بينهم وبين الكلاب علاقات حميمة، فالكلب يكون معه أو معها في مجلسه وفي ناديه وفي حديقته وفي سيارته، بل وفي مخدع نومه، وصارت هناك خدمات على أعلى مستوى للكلاب من عناية صحية وتغذية ومشافٍ خاصة بأعداد كبيرة ومراكز عناية خاصة، بل وصارت الكلاب ترث بعضهم، وانتقلت هذه العدوى إلى كثير من الذين وقعوا في أسر الحضارة الغربية، وحسب آخر إحصائية رسمية نُشرت وصل عدد الكلاب في أمريكا إلى واحد وستين مليون كلب، وما خفي كان أعظم، وفي البرازيل وصل عدد الكلاب إلى ثلاثين مليونًا، وفي اليابان عشرة ملايين، هذه الكلاب المثبتة في البطاقات الرسمية.
ومن أعجب ما قرأت وسمعت أخيرًا أن الشباب الياباني من الجنسين صاروا يفضلون تربية الكلاب على تربية الأطفال هربًا من تكاليف تربية الأطفال، ونتيجة لذلك ارتفع سعر الكلب حتى وصل إلى خمسة آلاف دولار.