والعجيب أن أصحاب هذين القولين المتناقضين في القدر قد اتفقا على نفي صفات الله عز وجل بدعوى أنهم ينزهون الله عز وجل عن مشابهة المخلوقات.
أما أهل السنة فقد هداهم الله عز وجل لما اختلف فيه من الحق بإذنه فساروا مع القرآن والسنة حيث سارا، ووظفوا عقولهم في فهم النصوص الشرعية لا في ردها ومعارضتها، وعلموا أنه لا يقع في الكون شيء إلا بمشيئة الله عز وجل، ولكنهم قسموا الأشياء إلى قسمين: قسم يقع بمشيئة الله ولا دخل لأحد فيه كالموت والحياة والصحة والمرض وكل ما يقع في السماوات والأرض مما لا اختيار للعبد فيه كجريان الريح وإنزال المطر وإنبات النبات وخلق الإنسان والحيوان.
وقسم آخر وهو ما يفعله الإنسان بإرادته واختياره كالطاعة والمعصية والسفر والإقامة والسعي في طلب الرزق وطلب العلم، وهذه الأشياء تقع من الإنسان بإرادته واختياره وعليها مناط التكليف قال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
وقال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [المزمل: 28، 29] .
وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان: 30] .
فالإنسان يفعل هذه الأفعال الاختيارية بمشيئته وإرادته واختياره، ولكن إرادته واختياره تابعة لمشيئة الله وإرادته، والمؤمن أحوج ما يكون إلى توفيق الله وهدايته ومعونته، ولهذا علمنا ربنا عز وجل أن نقول في صلواتنا: (إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم) [الفاتحة] .
وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول بعد الصلاة» رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك «