ولم يفرق هؤلاء بين ما يقع من العبد باختياره وما يقع منه بغير اختيار منه وهؤلاء هم الجهمية الجبرية أتباع الجهم بن صفوان.
وقسم غلوا في إثبات قدرة العبد واختياره ونفوا أن يكون لله تعالى مشيئة في خلق ما يفعله العباد، حتى غلا بعضهم وزعموا أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وقوعها، وانحرف بعضهم فزعموا أن الله يعلم أفعال العباد ولكنه بيَّن للناس سبيل الخير والشر والهدى والرشاد، وترك الناس يعملون، فنفوا عن الله سبحانه وتعالى الهداية والإضلال والتوفيق والخذلان، فالله عندهم لا يوفق عبده المؤمن إلى ما يحبه ويرضاه بل المؤمن هو الذي يسعى في مرضاة ربه بغير معونة من الله، والكافر هو الذي يسعى في سخط ربه بغير خذلان من الله عز وجل، وقالوا إن هذا هو مقتضى العدل الإلهي، وأن العبد المؤمن يدخل الجنة بمحض عمله لا بتوفيق من ربه واستدلوا على ذلك بقوله تعالى {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32] وهؤلاء هم المعتزلة القدرية.
وقد ظهر هؤلاء في أواخر عصر الصحابة كما روى مسلم في صحيحه من حديث يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبدالرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق لنا عبدالله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والأخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبدالرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أُنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أُحُد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.