وقبل أن يذكر ربنا سبحانه ما في الجنة من نعيم حسي يذكر ما فيها من النعيم المعنوي فيقول: {لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} أي: لا فيها لغو ولا زور ولا كذب ولا صخب ولا ضجيج ولا قرقعة، وإنما سكون تام وهدوء كامل والكلام المسموع فيها كل سلام وأمان، وهذه نعمة كبيرة يقدرها أهل الجنة {الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] . يقدرون هذه النعمة لأنهم عانوا في الدنيا من اللغو والتأثيم وهم الآن في الجنة {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا} [الواقعة: 25، 26] . فهم فرحون بهذا النعيم فرحهم بغيره من نعيم الجنة الحسي أو يزيد. وقوله تعالى: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} أي سارحة والعين تعشق رؤية الماء الجاري، والأذن تعشق خريره، والنفس تستريح لما تراه العين من الجمال ولما تسمعه الأذن من الأصوات الهادئة، وفي الجنة عيون لا عين واحدة قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الذاريات: 15] ، وإنما قوله هنا: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} اسم جنس. وقوله تعالى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} كقوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة: 34] . أي عالية رفيعة، ناعمة كثيرة الفرش عليها الحور العين. {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} أي حاضرة مصفوفة لا يطلبونها ولا يفقدونها ولكنها حاضرة دائما. {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} والزرابي هي البسط والسجاجيد والنمارق هي الوسائد وهي أسماء فقط مشتركة بين ما في الجنة وما في الدنيا وشتان بين السمي والمسمي.