فهرس الكتاب

الصفحة 14766 من 18318

ولقد استهزأ المشركون بهذا الوعيد كما استهزؤا من قبل بشجرة الزقوم وقالوا: الضريع تأكله الإبل فتسمن! فقال تعالى: {لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} والإنسان يأكل الطعام لغرضين: يأكل ليسد الجوع ويأكل للسمنة. وطعام أهل النار لا يحقق لهم شيئًا من ذلك، بل لا يسمن ولا يغني من جوع. وهنا إشكال وهو: كيف يقول الله هنا {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ} وقد قال في سورة الحاقة: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ (35) وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} [الحاقة: 35، 36] . فالآيتان كل منهما أفادت أنهم ليس لهم إلا المذكور في كل آية، والمذكور فيهما ليس واحدًا، مما يفيد التعدد، ولفظ الآيتين يفيد الحصر، فكيف يزال هذا الإشكال؟ قال العلماء: إن النار دركات {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر: 44] . ولأهل كل قسم طعام خاص ليس لهم غيره. عافانا الله والمسلمين من هذا كله. ولما ذكر الله تعالى حال الأشقياء وصفة وجوههم أتبعه بذكر حال السعداء وصفة وجوههم فقال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} إلخ .. وهذا السياق في الجمع بين القسمين قد تكرر في القرآن الكريم في مواضع كثيرة. وقوله تعالى هنا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} أي يعرف فيها النعيم وإنما يعرف النعيم في الوجه إذا كان القلب مسرورًا، وقد جمع الله بين الأمرين فقال عن الأبرار: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 11] . يعني سرورًا في قلوبهم ونضرة علي وجوههم وإنما نالوا هذا النعيم بسعيهم، ولذا قال تعالى: {لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} كما يقال: عند الصَباح يحمد الناس السرى، فأهل الجنة يوم القيامة يرضون عن سعيهم الذي بلَّغهم هذا النعيم. وقوله تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أي: رفيعة بهية، في غرفات بعضها فوق بعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت