فهرس الكتاب

الصفحة 14779 من 18318

قال أبو عمر بن عبد البر: إنما يكون المطل من الغني إذا كان صاحب الدين طالبًا لدينه راغبًا في أخذه، فإذا كان الغريم (أي المدين) مليئًا غنيًا ومطله وسَوَّفَ به فهو ظالم له، والظلم محرم كثيره وقليله، وقد أتى الوعيد الشديد في الظالمين بما يجب أن يكون كل من فَقِهَهُ عن قليل الظلم وكثيره منتهيًا. وإن كان الظلم ينصرف على وجوه بعضها أعظم من بعض. قال: وأعظمها الشرك بالله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] . وقال تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] . وقال سبحانه: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: 19] ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حاكيًا عن الله تبارك وتعالى:» يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا «. [مسلم: 2577] . قال: ومن الدليل على أن مطل الغني ظلم محرم موجب للإثم ما ورد به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم استحلال عرضه، والقول فيه، ولولا مطله لم يحل منه ذلك، قال الله عز وجل: {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ «. [أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/ 389) ، وأبو داود والنسائي وابن ماجه] . الليي: المطل، والواجدِ: الغني. قال أبو عمر: فمعنى قوله:» يحل عرضه «أي: يحل من القول منه ما لم يكن يحل لولا مطله وليه. ومعنى» وعقوبته «: قالوا: السجن حتى يُؤَدِّي أو يُثْبِتَ عُسْرَتَهُ، فيجب حينئذٍ نظره. وروى أبو عمر بسنده إلى سحنون بن سعيد قال: إذا مطل الغني بدين عليه لم تجز شهادته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه ظلمًا. نسأل الله تعالى أن يرزقنا والمسلمين الحلال الطيب ويبارك لنا فيه، وأن يباعد بيننا وبين الحرام الخبيث بُعد ما بين المشرقين، وأن يهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت