قال: وقوله:» مطل الغني «من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى: أنه يحرم على الغني القادر أن يماطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز، وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيًا، ولا يكون غناه سببًا لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق الغني فهو في حق الفقير أَوْلى، قال: ولا يخفى بُعْدُ هذا التأويل. أقول: ولا مانع من شمول الحديث للمعنيين. والله أعلم. قال الحافظ: وفي الحديث الزجر عن المطل، واختلف؛ أَيُعَدُّ فِعْلُهُ كبيرةً أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسق، لكن أيثبت فسقه بمطله مرة واحدة أم لا؟ قال النووي: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، ورده السبكي في» شرح المنهاج «بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستدل بأن منع الحق بعد طلبه وابتغاء العذر عن أدائه كالغصب، والغصب كبيرة من الكبائر، وتسميته ظلمًا يشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار. نعم لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى كلام السبكي. قال الحافظ: واختلفوا أيفسق بالتأخير مع القدرة قبل الطلب أم لا؟ فالذي يشعر به الحديث التوقف على الطالب لأن المطل يشعر بذلك. ويدخل في المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته، والسيد لعبده والحاكم لرعيته، وبالعكس. قال: واسْتُدِلَّ به على أن العاجز لا يدخل في الظلم، وهو بطريق المفهوم؛ لأن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء تلك الصفة، ومن لم يقل بالمفهوم أجاب بأن العاجز لا يسمى ماطلاً، كما استدل به أيضًا على أن الغني الذي ماله غائب عنه لا يدخل في الظلم، واستنبط منه بعض العلماء أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتى يوسر.