سابعها: أن اختيار الأدنى لم يكن مسألة عابرة، ولكنه كان عن إخلاد إلى الأرض، وميل بكليته إلى ما هناك، وأصل الإخلاد اللزوم، وعبَّر عن ميله إلى الدنيا بإخلاده إلى الأرض لأن الدنيا هي الأرض وما فيها، ويستخرج منها الزينة والمتاع. ثامنها: أنه رغب عن هداه واتبع هواه فجعل دعواه إمامًا له يقتدي به ويتبعه. تاسعها: أنه شبه لهفته ولهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه في تحصيلها بلهث الكلب في حالتي تركه، والحمل عليه. قال ابن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الري وحال العطش، فضربه الله مثلاً لهذا الكافر فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال؛ كالكلب إن طردته يلهث وإن تركته في حاله يلهث، وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب وإنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك أخس ما يكون وأشبه. اهـ. ثانيًا: سبق أنْ ذكر ابن القيم من صفات الكلب إقباله على الجيف وتفضيلها على اللحم الطازج، وهذا سلوك كثير ممن انغمسوا في شهوات الدنيا، فهم يقبلون بل يتنافسون على الحرام، ويتركون الحلال المباح فقد يترك أحدهم زوجته التي أحلَّها الله له، ويبحث عن المتعة من طريق غير مشروع، وهذا مثال من أمثلة عديدة، وقد صوَّر الإمام الشافعي- رحمه الله- ذلك التنافس في أبيات بديعة: قال فيها: ومن يذُق الدنيا فإنى طعمتُهاوسيق إلينا عذبها وعذابهافلم أرها إلا غرورًا باطلاًكما لاح في ظهر الفلاة سرابهاوما هي إلا جيفة مستحيلةعليها كلاب همُّهن اجتذابهافإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلهاوإن تجتذبها نازعتك كلابهاولعل الإمام الشافعي- رحمه الله- وهو ينظم هذه الأبيات كان يتمثل ما روي عن علي- رضي الله عنه- موقوفًا قوله:» الدنيا جيفة فمن أرادها فليصبر على مخالطة الكلاب «. وقد أخرجه ابن أبي شيبة عن علي- رضي الله عنه- مرفوعًا. والله أعلم.