من ذلك نرى أن الغضب ضروري، في الحروب على الأخص، فما انتصر جيش لم يغضب على عدوه، وما انتصر مبارز أو مناجز في ميدان معركة لم يشعله وقود الغضب نيرانًا على من يبارزه أو يناجزه.
وتلك أمثلة واضحة قديمة، وجديدة في حروبنا عبر الزمن السحيق، فلا حاجة إلى سرد الأدلة فهي معروفة.
الغضب والتكوين الفسيولوجي للجسم:
ومن البلاهة أن نطلب من الناس أن يغضبوا الأمر ما بدرجة واحدة، نظرًا لاختلاف التربية، فالرجل (الإسكيموا) لا يغضب إذا رأى رجلًا من امرأته في سرير واحد، بل يسر سرورًا جزلًا، ومثله الشيوعي والوجودي والخنفس، وبعض رجال الفن. (من مدة ذكرت إحدى الجرائد أن مخرج إحدى الروايات السينمائية ظلت زوجته تحت المثلة الممثل يبادلها القبل أكثر من أربع ساعات ليختار قبلة يصورها ... إلخ) .
ونظرًا لاختلاف المقومات الجسمية في الإنسان فهناك (( الانفعالي ) )واللاانفعالي بحسب سيادة ببعض الأجهزة في الجسم، فإن ساد جهاز (الليمف) كان صاحبه هادئًا فطريًا، وإن ساد الجهاز العصبي كان صاحبه عصبيًا، وإن ساد جهاد الدم كان صاحبه دمويًا، وهناك أيضًا معدلات غير غددية تزيد هذا لهيبًا، أو ذاك تبريدًا، ولذلك نعمد نحن علماء النفس إلى تقسيم الغضب إلى الأقسام الآتية:
1 -الغضب الأبيض: وهو غضب نتأثر به عادة من أحداث الحياة وهم الأولاد والأرزاق، وهو ضرورة من ضروريات المدنية، وكم أضر هذا الغضب بكثير من ذوي الأمزجة العصبية أو العاطفية، إذا تعدى حدود الكظم إلى الكبت، فنجد الأولين يشكون باللسان، وتجد الآخرين يشكون بالنثر أو الشعر، وفي هذا البوح يكمن العلاج (( التلقائي ) )فلا تتبرم بصديق يرى فيك أساة لشكواه فيبثك لواعجه، ففي هذا البث راحة نفسية تقيه شر (( الكبت ) ).
2 -غضب الحاقدين: ويسمونه الغضب الأصفر، وتستطيع أن تعرف ذلك إذا أغضبت زميلًا لك ادعى صداقتك، فتراه يفلت لسانه عابثًا في أسرارك، فلا يكتم منها شيئًا مهما كانت خطورة إذاته، وتشم منه رائحة الحنق والحقد، ويكثر هذا الصنف في ذوي الأمزجة العاطفية الذين لم يتأهلوا حيويًا لحمل أمانة الأصدقاء، فحذار من صديق عاطفي ألف مرة، فلربما انقلب فكان أعلم بالمضرة، وقديمًا قيل:
ولا خير في ود امرئ متلون ... إذا الريح مالت مال حيث تميل
ويقول غيره:
وإذا الصديق لقيته متملقا ... فهو العدو وحقه يتجنب
وهناك أيضًا الغضب الأحمر، والغضب الأسود، وأسبابها، وأخطارهما، وكيف يعالجان لا سيما الأخير منها، وموعدنا العدد القادم إن شاء اللَّه تعالى.
دكتور عبد الكريم دينة