فهرس الكتاب

الصفحة 1505 من 18318

لقد ضرب الإمام مالك رحمه الله سبعين سوطًا بسبب فتوى أفتى بها لم توافق هوى السلطان، ولم يتنازل الإمام عن فتواه، وكذلك ضرب الإمام أبو حنيفة وسجن وقيل: أنه توفى في سجنه متأثرًا بجراحه، ومحنة الإمام أحمد بن حنبل أشهر من أن تذكر، وتعرض للأذى والسجن والاضطهاد أمثال ابن تيمية والعز بن عبد السلام، من أجل التمسك بآرائهم، والحفاظ على مبادئهم، لم تثنهم رغبة ولا رهبة، لأنهم وضعوا الدنيا تحت أقدامهم، وداسوا المنصب والجاه بنعالهم، كان الله سبحانه أكبر شئ لديهم، لذلك هانت في نظرهم دنيا الناس بما فيها ومن فيها.

حسبنا في هذا المقال أن نعرض لنموذج واحد من علماء السلف، أنه عمرو بن عبيد، الذى توفي سنة 114 هـ، قال عنه الحسن البصرى رحمهما الله"كأن الملائكة أدبته .. وكأن الأنبياء ربته .. إن أمر بشيء كان ألزم الناس به، وإن نهى عن شئ كان أترك الناس له .. مارأيت ظاهرًا أشبه بباطن منه، ولا باطنًا أشبه بظاهر منه".

عمرو بن عبيد هذا كان من خيرة علماء السلف وكان زاهدًا في الحياة الدنيا ومتاعها، ولم يكن إنعزاليًا متخلفًا عن حياة الناس أو منعزلًا عن المجتمع الذى يعيش فيه، لم يكن متصوفًا يجمع المريدين حوله بالمئات ليطيعوه طاعة عمياء، وليحوطوه بهالة من القداسة والتقديس، بل كان عالم دين يحمل رسالة، يدافع عن الحق ويجابه الباطل .. نصح أصحاب السلطة ووعظهم، وأقام بإيمانه وشجاعته كلمة الحق، دون أن يخشى في الله لومة لائم.

دعى- رحمه الله- ذات يوم- إلى مجلس الخليفة العباسى .. المنصور، وبعد أن وعظه وأمره ونهاه قال له:

"يا أمير المؤمنين: إن أمامك نيرانًا تتأجج، لمن لا يعمل بكتاب الله، ولا بسنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه".

فقال له أحد الجلوس:

أسكت .. فقد غممت أمير المؤمنين ..

فصاح في وجهه عمرو:

"ويلك .. أما كفاك أن خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين حتى أردت أن تحول بينه وبين من ينصحه؟."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت