ثم واصل عمرو بن عبيد كلامه موجها إياه إلى الخليفة:
"اتق الله يا أمير المؤمنين .. فإن هؤلاء لن ينفعوك أبدًا .. وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح يا أمير المؤمنين دنياهم بفساد آخرتك .. أما والله لو علم عمالك أنه لا يرضيك منهم إلا العدل ما بقى على بابك أحد، ولتقرب إليك بالعدل من لا تريده."
أما علماء اليوم .. علماء الدنيا .. أو علماء السوء أسماهم بذلك الغزالى- رحمه الله-، فقد باعوا دينهم بدنيا الناس، وليتهم يقفون عند هذا الحد، وكفى به شرًا، ولكنهم أحيانًا يريدون أن يبيعوا دين الأمة بدنيا السلطان، ليتهم يقفون عند حدود خذلان الحق ومشايعة الباطل، وكفى بذلك خسة وجبنًا، بل أحيانًا يعمدون إلى تحويل الحق إلى باطل، والباطل إلى حق يضغطون على كتاب الله بكل ما أوتوا من قوة، وعلى أحاديث رسول الله صلوات الله عليه- حتى يسخروها لخدمة جاه من يملكون الجاه ..
حين ازدهرت الاشتراكية منذ سنوات، قال أستاذ في كلية الشريعة، في برنامج تليفزيونى: إن الإسلام لم يجئ إلا ليمهد للاشتراكية ..
وقد شاء قدرنا أن يكون هذا الشيخ واعظًا لنا- ونحن خلف الأسوار عزل من كل حول وقوة إلا إيماننا بالله وثقتنا فيه سبحانه- وكان مما قاله لنا:
"إن سبعة وتسعين في المائة من أحكام الشريعة مطبق في مصر، ولا داعى لأن نعادى الدولة من أجل ثلاثة في المائة .."
وابتسمنا من داخلنا، لأنه لم يكن في استطاعتنا أن نبدى ابتساماتنا على شفاهنا، وإلا لفحتنا السياط من كل جانب.
والحقيقة أننا لم نأسف لهذا الشيخ الذى كان يردد في كلماته: قال رائدنا الأول، ومعلمنا الأول، وهادينا الأول، ومنقذنا الأول، في الميثاق .. كذا وكذا لأن مثله قد اعتبرناه في مستوى من رفع عنهم التكليف.
وفي عام 1960 م حين سافر رئيس الجمهورية إلى الولايات المتحدة، قال شيخ الأزهر يومها:
"إن رحلة الرئيس عبد الناصر من مصر إلى أمريكا من أجل السلام هى شبيهة بهجرة الرسول من مكة إلى المدينة من أجل السلام .."
وعزل شيخ من مصبه وكان وزيرًا للأوقاف، وظل حبيس بيته أكثر من خمسة أعوام، وكان يردد دائمًا أمام زواره: حسبى من هذه المحنة أننى عرفت الطريق إلى الله، ولكن حين رضى عنه ولى الأمر فولاه منصبًا، وذلك قبيل عام 1964 م قال في أول تصريح له:
"أننى أشكر موهب النعم .. ومجرى الخير الرئيس .. فلان .. ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه".
محمد عبد الله السمان