المريد يقرأ: (فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون إليه من حيث وجودنا، وهو مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه، فأنت غذاؤه بالاحكام وهو غذاؤك بالوجود فتعين عليه ما تعين عليك والأمر منه إليك، ومنك إليه) .
وكان الوالد قد بدأ يشعر بما يدبره ولده في دهاء، وأحسن بأن الدائرة توشك أن تدور عليه، وأن ولده قد أتاه من حيث لم يحتسب، فزمجر قائلا.
-حسبك .. حسبك
ولكن ذلك المريد اندفع يقول:
-هل نحن على حق، أم عباد الأصنام؟ أم عباد الكواكب .. أم .. أم ماذا؟
الابن: إذا أردت أن تطمئن فأقرأ ص 191 من فصوص الحكم.
المريد: (فاياك أن تتقيد بعقد مخصوص، وتكفر بما سواه، فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه، فكن في نفسك هيولي لصور المعتقدات كلها فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فالكل مصيب وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سعيد مرضي عنه) .
المريد (صائحا ممسكا برأسه) : يا خفي الألطاف: الكل مصيب. الكل مصيب!! عباد الأصنام، وعبدة العجل، لا فرق بين مشرك وموحد؟.
الوالد (مزمجرا) كفى .. كفى ..
الابن: بالعكس ما أسهل اقناع هذا الأخ، وزرع الطمأنينة في قلبه، أطو الآن نصوص الحكم وخذ طبقات الصوفية وأقرأ لنا من ص 189 لتطمئن إلى طهارة الطريق.
المريد يقرأ: (يقول يوسف بن الحسين الرازي: كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث، فإنه أفتن الفتن، عاهدت ربي أكثر من مائة مرة ألا أصحب حدثا ففسخها على حسن الخدود، وقوام القدود، وغنج العيون، وما سألني الله تعالى معهم عن معصية) .
الابن: فاقرأ لنا من ص 232 من نفس الكتاب.
المريد يقرأ: (ويقول- يوسف بن الحسين الرازي- آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الاضداد وأرقاق النسوان) ويقص أنه رأي ابليس في النوم.
فقال له: تركت لي فيكم لطيفة قلت ما هي؟ قال صحبة الاحداث قال أبو سعيد: وقل من يتخلص من هذا من الصوفية).
وهنا أستولى الذهول على الجميع، وأخذوا يتسللون فرادى، وبقي الشيخ يختلج جسده كله، فحمل من فوره إلى فراشه.
(يتبع)
مصطفى فهمي مصطفى أبو المجد
مدرس أول لغة عربية- أبو قير الإسكندرية