هذه الحكمة العامة: في تأخير إقامة البنيان، ريثما أرسيت قواعده، وفي تأجيل الفروع إلى أن أحكمت أصولها، ستبدو من ورائها حكم جزئية، وأسرار دقيقة لمن أقبل على هذه الفروع ينظر إلى تلاصق لبناتها في بنيتها، وتناسق حباتها في قلادتها، لمن رجع ينظر إلى هذا التقابل بين ذلك الاجمال السابق، وهذا التفصيل اللاحق.
لقد ختمت آية البر - كما رأينا - بخصلة من خصال البر، هى خلة الصبر (والصابرين في البأساء، والضراء، وحين البأس) شعبتها الآية إلى هذه الشعب الثلاث، ووضحتها هذا التوضيح، فكان ذلك تنويها بشأنها أي تنويه.
فهل تعلم الآن أنه وقد بدأ دور التفصيل - ستكون هذه الخصلة بشعبها الثلاث أول ما تعني السورة بنشره من خصال البر. ولكن في ترتيب تصاعدي على عكس الترتيب السابق: الصبر حين البأس، ثم الصبر في الضراء، ثم الصبر في البأساء ....
وهل تعلم أن هذا النظام التصاعدي نفسه سيتبع في سائر الخصال: الوفاء بالعهود والعقود، ثم إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والبذل والتضحية في سبيل الله؟ إليك البيان مفصلا:
الصبر حين البأس:
وهنا يختار الله لنا من مثل الصبر أمثلها وأفضلها: ذلك هو ضبط النفس حين البأس، كفا لها عن الاندفاع وراء باعثة الانتقام، وردعا لها عن الإسراف في القتل. ووقوفا بها عند التماثل والتكافؤ العادل في القصاص (آيتا القصاص 178 و 179) .
وإذا كان تداعي المعاني يسوقنا من الحديث عن القتلي إلى الحديث عمن هم في ساعة الإحتضار ناسب تتميم الكلام ببيان ما يجب على المحتضر من الوصية لوالديه وأقاربه برًا بهم (آيات الوصية 180 - 182) .
الصبر في الضراء:
وكذلك سيختار الله لنا من أبواب الصبر في الضراء أعلاها: ليس الصبر على الأمراض والآلام باطلاق، ولكنه الصبر على الظمأ والجوع في طاعة الله (آيات الصوم 183 - 187) .
وينساق الحديث من الصوم المؤقت في أيام معدودات عن بعض الحلال، إلى الصوم الدائم عن السحت والحرام (آية 188) .