ذلك أنه حين بدئ بذكر الحج"يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج" [آية 189] لم تتصل به أحكامه ولاء"وأتموا الحج والعمرة لله" [آية 196 وما بعدها] بل فصل بين اسمه وحكمه بست آيات في أحكام الجهاد بالنفس والمال في قتال الأعداء (190 - 195) فاصلة يحسبها الجاهل رقعة غريبة في ثوب المعنى الجديد ... ولكن الذي يعرف تاريخ الإسلام وأسباب نزول القرآن - يعرف ما لهذه الفاصلة من شرف الإسلام وأسباب نزول القرآن - يعرف ما لهذه الفاصلة من شرف الموقع، وأصابه المحز، لا لمجرد الاقتران الزماني بين تشريع الحج وغزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، ولكن لأن أداء المناسك في ذلك العام كان عزما لم ينفذ، وأملا لم يتحقق، إذ أحصر [منع المسلمون عن أداء العمرة] المسلمون يومئذ عن البيت، وهموا أن يبطشوا بأعدائهم الذين صدوهم عنه، لولا أن الله نهاهم عن البدء بالعدوان، وأمرهم ألا يقاتلوا في المسجد الحرام إلا من قاتلهم فيه، فانصرفوا راجعين، مستسلمين لأمر الله، منتظرين تحقيق وعد الله. فكذلك فلينصرف القارئ أو المستمع ها هنا وهو متعطش لإتمام حديث الحج على أن يعود إليه بعد فاصل، كما انصرف المسلمون إذ ذاك عن مكة وهم إليها متعطشون، على أن يعودوا إليها من عام قابل.
هكذا كانت هذه الآيات الفاصلة تذكارا خالدا لتلك الأحداث الأولى.
وهكذا كان القرآن الحكيم مرآة صافية نطالع فيها صور الحقائق من كل لون، نقتبسها طورا من تصريح تعبيره، وطورا من نهجه وأسلوبه في تعجيل البيان أو تأخيره.