قوله «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» الواو حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق، «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ» أي في حال الصغر، وأصل المهد أو المهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه، وهذا من آيات الله عز وجل، لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، أما في المهد فلم يتكلم إلا ثلاثة، منهم عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله «قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ... يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ... فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ... قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ... وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ... وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ... وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» مريم ... ، كلام من أفصح الكلام وأعظمه، وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كانت آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلِقَ بلا أب، وكلم الناس في المهد، ويصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، ويحيي الموتى ويخرجهم من القبور، قال أهل العلم لأنه بعث في زمن ترقّى فيه الطب ترقيًا عظيمًا، فجاء بآيات من جنس الآيات التي فيها إعجازهم، ومن جنس الأعمال التي يعملونها، فيكون ذلك أبلغ في الإعجاز، كما جاء موسى عليه السلام بالعصا واليد التي تبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد بكلام هو أبلغ الكلام وأفصحه
لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده، حتى يعجز هؤلاء البلغاء ويتبين أنه ليس من كلام البشر
قال «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً»
يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، وفي هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة، وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل، يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد كلام أطفال، بل كلامه فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو كهل
قال «وَمِنَ الصَّالِحِينَ»
يعني وهو من الصالحين، والصالح من صلحت سريرته وعلانيته، يعني ظاهره وباطنه، باطنه بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك
وظاهره بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداع فهو عليه السلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل سرائرهم وعلانيتهم
وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم