كما قال المشركون في شخصه بأنه كاهن ومجنون، وقد رد الله على فريتهم هذه ونفى كلامهم، فقال «فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ» الطور ... ، أي لست بحمد الله بكاهن، والكاهن الذي يأتيه الرائي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، والمجنون، وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس، وقد حاول المشركون صدَّ الناس وصرفهم عن النبي، وعن القرآن الكريم حينما زعموا أن الشياطين هي التي تنزل بالقرآن عليه، وقد تولى الله تعالى الدفاع عن الوحي الذي أنزله وبيَّن ضلال ما ذهب إليه المشركون في ذلك فقال «وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ... وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ... إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» الشعراء ... ، وكان هذا الرد القويم بعد تحقيق الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين، وأنه يمتنع أن تنزل به الشياطين، وذلك من ثلاثة أوجه، وهي أنه ما ينبغي لهم، أي ليس هو من بغيتهم، ولا من طلبتهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى «وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ» ، وقوله «وَمَا يَسْتَطِيعُونَ» أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا في مدة إنزال القرآن على رسوله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى «إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ»