وإذا كان الغرب قد تحرر، وحرر العقل والعلم معه من سلطان الدين، الأمر الذي تضخم فيه العقل والعلم، وضمر فيه القلب والروح وجفت فيه العاطفة والوجدان، وتحول الإنسان إلى آلة جهنمية تقذف بالنار، وترمي بالشرر، فتحرق، وتحرق ما حولها .. إذا كان الغرب قد سلك هذا المسلك، ووقف من الدين هذا الموقف، ثائرا على سدنة الدين وكهنته الذين جعلوا الدين لأيديهم، وحجبوا أهله عن أن ينظروا فيه إلا بعيون السدنة عليه، وأصحاب الكلمة العليا فيه - فإن الإسلام قد أطلق عقل الإنسان، وحرر قلبه وضميره، وجعل إليه وحده الحق في أن يعقل دينه، وأن ينظر في كتاب الله وسنة رسول الله نظر متدبر، وفاحص ودارس، وما ذلك إلا ثقة بأن هذا الدين لا يصادم العقل السليم ولا يخرج عن منطقه المجانب للهوى .. وأنه كلما ازداد العقل علما ومعرفة، وكلما فتح بالعلم والمعرفة أبوابا يطلع منها على أسرار الوجود، ويخرج منها بمفتاح العلم والمعرفة ما في خبء الأرض من قوى يسخرها ليده - كان ذلك نورا يكشف به ما في الإسلام من حقائق عليا، في كل ما يعالج من شئون الحياة، حيث يلتقى نور العلم والمعرفة بنور سماوي علوي منزل من عند الله، تثبت به قواعد العلم، وتتسع به دائرة المعرفة"نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء" [النور: 35] .
ولا ننكر أن فينا من حصلوا قدرا كبيرا من العلم، في الطب والهندسة والكيمياء، وغيرها من علوم الغرب، حتى كادت تتساوى رءوسهم برءوسهم .. ولكن هؤلاء العلماء - على قلتهم - قد عزلوا أنفسهم عن علوم الدين، وعدوا ذلك عدوانا منهم على أهل الإختصاص - فكما لا يدخل عالم الطب على عالم الهندسة، ولا عالم الهندسة على عالم الكيمياء، كذلك لا يدخل أحد من هؤلاء على عالم الدين، ولا يشاركه النظر في كتاب الله وسنة رسول الله، فهذا - كما خيل له - دخول فيما لا يعنيه!!
أقليس هذا ما يفعله علماء الغرب الذين تلقى عنهم وتتلمذ عليهم؟.