وقد تتابعت أقوال السلف على هذه الحقيقة وتقريرها، فعن أبي الصلت قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب أما بعد، أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر قد كُفُوا، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مَقْصر، وما فوقهم من مَحْسر ... ، وقد قصَّر قوم دونهم فَجَفَوْا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم»
قال الشيخ محمد شمس الحق في شرحه لكلام عمر بن عبد العزيز «والحاصل أنه أوصاه بأمور أربعة أن يتقي الله تعالى، وأن يقتصد أي يتوسط بين الإفراط والتفريط في أمر الله، أي فيما أمره الله تعالى لا يزيد على ذلك ولا ينقص منه، وأن يستقيم فيما أمره الله تعالى لا يرغب عنه إلى اليمين ولا إلى اليسار، وأن يتبع سنة نبيه وطريقته، وأن يترك ما ابتدعه المبتدعون بعد ما جرت به سنته وكفوا مؤنته، ومعنى كفوا مؤنته، أي كفاهم الله تعالى مؤنة ما أحدثوا، أي أغناهم الله تعالى عن أن يحملوا على ظهورهم ثقل الإحداث والابتداع، فإنه تعالى قد أكمل لعباده دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام دينًا، فلم يترك إليهم حاجة للعباد في أن يحدثوا لهم في دينهم، أي يزيدوا عليه شيئًا أو ينقصوا منه شيئًا، وقد قال ... شر الأمور محدثاتها»