فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 18318

إن للمعاصي وجهين دميمين: أحدهما قيمتها عند اللَّه، فإن اللَّه يكره أن يجحد وينسى، وأن يهيم عباده وراء نزواتهم القريبة والبعيدة غير مؤدين له حقًّا ولا موفين له بعهده، إن العقاب الذي ينتظرهم عدل، ويومئذ يسمعون قول الحق: {ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ. ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} .

أما الوجه الآخر فهو أثر هذا التحلل في المجتمعات البشرية، إنه يستتبع كارثة قومية مدمرة، ويكاد - في نظري - يمثل خيانة وطنية للأرض التي نعيش فوقها والجماهير التي تضطرب بينها.

ومنذ أيام قرأت كتابًا عن الجاسوسية ومغامراتها فشعرت بأن افتضاح الأسرار وانكشاف المخبوء إنما يعود إلى ميل بعض الناس إلى معاقرة الخمر ومعاشرة النساء.

إن السكر والزنا ليسا قذارات فردية فقط، بل وسائل طيعة لقتل الأمم، وتسليم مقدراتها لخصومها.

ولو عقلت الأمم العربية كلها لاعتبرت الدعوة إلى اللهو - وأحوالها ما نعلم - جريمة خلقية وسياسية معًا ولاعتبرت توهين الإيمان خيانة لله والناس، وتخريبًا للمستقبل والحاضر جميعًا.

إنه باسم الفن تثور في كياننا براكين مدمرة، ومن عشرات السنين ونحن نرفع عقائرنا بالتحذير دون جدوى.

وقد أثبت هذه الخاطرة لي من ربع قرن في كتابي (( موكب الدعوة ) )أعود إلى ذكرها، علم العرب والعجم والإنس والجن أنه كان للمسلمين ملك طويل عريض في ديار الأندلس عمرت به حينًا، ثم حرمت منه وحرم منها، وانطوت بطون التاريخ على ذكرياته الحلوة والمرة! وقد يحدث أن ينبش المسلم الثري عن رفات هذا التاريخ المدفون، فإذا هو يطالع من أبنائه ما يذكر بقول القائل:

أبك مثل النساء ملكًا تولى ... لم تحافظ عليه مثل الرجال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت