فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 18318

ولكن الأستاذ الأديب محمد إسعاف النشاشيبي - جزاه اللَّه - لا يرى بعد أن يطالع التاريخ الأندلسي البكاء مع النساء، بل يرى الرقص مع النساء ويقول: (الرقص شيء حسن لا يجادل في حسناته وفضائله مؤمن) !!

وطبيعي أنه يقصد بالإيمان شيئًا آخر غير الإيمان باللَّه ورسوله، أي غير الإيمان بالإسلام وفضائله وحسناته، فلما أعوذته الشواهد على صدق رأيه ذهب إلى كتاب (( نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ) )لينقل لنا صورة من صور الخلاعة والتهتك الذي جنح إليه بعض الأمراء والوزراء الأندلسيين في عصور انحطاطهم وتحللهم الذي لم يزل بهم حتى أحلهم دار الهوان، ذهب الأستاذ الأديب إلى كتاب (( نفح الطيب ) )فأخرج منه القصة الآتية:

(( كان المنصور بن أبي عامر(سلطان الأندلس) قد عزم في يوم على الانفراد، فأمر بإحضار من جرى رسمه من الأدباء والندماء وأحضر الوزير (أحمد بن شهيد) في محفة لنقرس كان يعتاده وأخذوا في شأنهم.

فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله، وطما الطرب، وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد فأقامه الوزير أبو عبد اللَّه بن عباس، فجعل يرقص وهو متوكئ عليه، ويرتجل، ويومئ إلى المنصور وقد غلبه السكر:

هاك شيخًا قاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكا

لم يطق يرقصها مستثبتًا ... فانثنى يرقصها مستمسكا

عاقه عن هزها منفردا ... نقرس أختي عليه فاتكا

من وزير فيهم رقاصة ... قام للسكر يناغي ملكا

أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالًا على رأسي لكا

قهقه الأبريق مني ضاحكا ... ورأى رعشة رجل فبكى

ونحن نذكر القصة آسفين، ليرى القارئ في ثناياها أطراف مأساة كابية تصرخ بأسرار الانهيار الذي أصاب بناءنا وتفصح عن أسباب الهزيمة التي طوت عن هذه البقاع أعلامنا.

وقد كان المظنون بكل مؤرخ مسلم إذا عرض لهذه المخازي أن يثير بها شتى العبر وأن يجعل من توجيهها دروسًا تنفع الأمة في حاضرها ومستقبلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت