ولا تظن بذلك أننا نبالغ، كلا وربي، فالدعاء هو العبادة وهو الدواء لجميع الأدواء وبخاصة عند انعدام الأسباب الأخرى أو ضعفها، وانظر حال النبي يوم بدر وهو يرى ضعف الأسباب المادية، أمام قوة العدو المادية فلم يكن أمامه بعد أن أعد ما استطاع إلا التوجه والضراعة إلى من بيده الملك والملكوت والذي قال له «وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى» ، وكانت حالة زكريا من هذا القبيل، فهو قد بلغ من الكبر عتيًا وامرأته عاقر فتوجه بدعائه ملتمسًا ما عند الله راجيًا ألا يرده ربه صفرًا «وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ... وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ... يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» مريم
وزكريا عليه السلام لم يقل ذلك بلسان المقال، ولكنه قاله بلسان الحال؛ لأن دعاءه كان خفيًا، لكن الله العلي علم الدعاء الخفي من صاحب القلب النقي فأجابه إلى طلبه بأسرع ما يتوقع، وبأفضل مما طلب، انظر معي أخي الكريم في الآيات الكريمة التالية وتأمل ما فيها، قال تعالى «يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» مريم ... ، وقال تعالى «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» مريم ... ، وقال تعالى «فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» آل عمران