وعندما كان العرب يفتحون بلداً من البلدان لم يكونوا بالتاركين لسانهم ولسان قرآنهم من أجل لسان أحد، وإنما تغلب العربية على أهل المصر المفتوح حتى تُطبق عليه ويعتادها وسبحان مغير الأحوال كانوا يكرهون بشدة أن تتفشى فيهم العجمة والرطانة البعيدتان عن لغة القرآن وأهله، وفى ذلك يقول صاحب اقتضاء الصراط المستقيم «واعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق، أو للأمراء، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ... ولغة أهلهما رومية وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية وأرض المغرب ولغة أهلها بربرية عوَّدوا أهل هذه البلاد العربية، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم» الاقتضاء ص
وكما لا سبيل لتأدية أسس الإسلام ودعائم الدين إلا بتعلم الفصحى، فإنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن الكريم والوقوف من ثم على صدق الموحى إليه به، إلا عن طريق معرفة لغة العرب التي بها نزل القرآن ومن لم تكن له بذلك دراية ولا له عليه إقبال، فشأنه شأن العجمي الذي يعرف الإعجاز في القرآن، من عجز العرب عن الإتيان بمثله وحسب، دون أن يقف هو على حقيقة ذلك