ومما يؤسف له أيضا أن السيد محمد رشيد رضا أحد الأئمة الأعلام في مطلع هذا العصر قد وقع في كتابه (الوحي المحمدي) فيما وقع فيه النصارى وما وقع فيه هذا المتصوف ابن عربي، فذهب إلى معجزات السيد المسيح (عيسى) عليه السلام، كانت لقوة كامنة فيه اكتسبها من طبيعة خلقته، وهي النفخ بالروح الإلهي، على ما أشار لذلك القرآن الكريم، فصار النفخ الذي كان أصلا في خلقه هو القوة التي تظهر آثارها دائما بإذن اللَّه متى شاء عيسى استخدامها، فكان إحياؤه للطير بسبب نفخه، تلك الخاصية التي اكتسبها من أصل خلقه، وكذلك إحياء الميت ... إلخ.
ويجعل معجزاته أعظم من معجزات بقية الأنبياء لذلك السنن الروحانية المطرد الذي تميز به على بقية الأنبياء، والذي منحه اللَّه إياه بآية منه، وأن هذا هو وجه الآية في عيسى عليه السلام التي يشير إليها القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة المؤمنون الآية 50: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} . فهذا هو وجه اشتباه السيد رشيد رضا في عيسى عليه السلام. وفي تعليل معجزاته بذلك التعليل الذي خصه فيه بشيء دون بقية الأنبياء.
وقد بينت المقالة السابقة حقيقة النفخ بالنسبة لخلق عيسى عليه السلام وأنه في ذلك كبقية البشر أنبياء وغير أنبياء. أما الآية التي يقصدها القرآن الكريم في مريم وعيسى عليهما السلام في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} فهى فقط في أنه خلق من غير أب، كما خلق آدم من تراب ومن غير أب ولا أم كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] وفي ذلك يقول الإمام الشوكانى: (الآية فيهما واحدة، لأنها ولدته من غير فحل) وفي موضع آخر يقول: (تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقًا من غير أب كآدم) .