وإِنَّمَا كان الإسرارُ بالنَّفقةِ أفضلَ لأَنَّ السِّرَّ دائمًا أقربُ إلى الإخلاصِ وأبعدُ عنِ الرِّياءِ، وإِنَّمَا يترتبُ الأجرُ والثَّوابُ على الإعمالِ على قدرِ إخلاصِ النَّيةِ فيها، فإذا شابتْها شائبةُ رياءٍ ردَّتْ على صاحبِها وكانتْ وبالاً عليه، كما قالَ تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» البقرة
وقولُهُ «يَرْجُونَ تِجَارَةً» هو خبر «إِنَّ» والخبرُ مستعملٌ في إنشاءِ التَّبشيرِ كَأَنَّهُ قيل ليرجوا تجارةً وزادَهُ التعليلَ بقولِهِ «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ» قرينةٌ على إرادةِ التَّبشيرِ، والتِّجارةُ مستعارةٌ لأعمالِهم من تلاوةٍ وصلاةٍ وإنفاق، ووجهُ الشبهِ مشابهةُ ترتبِ الثَّوابِ على أعمالِهم بترتبِ الرِّبحِ على التِّجارة
والمعنى ليرجوا أَنْ تكون أعمالُهم كتجارةٍ رابحةٍ
والبوارُ الهلاك وهلاكُ التِّجارة خسارةُ التَّاجر فمعنى «لَنْ تَبُورَ» أَنَّهَا رابحةٌ و «لَنْ تَبُورَ» صفة «تِجَارَةً» والمعنى أَنَّهم يرجون عدمَ بوارِ التَّجارة
فالصفةُ مناطُ التَّبشيرِ، والرجاءُ لاَ أصلُ التِّجارةِ، لأَنَّ مشابهةَ العملِ الفظيعِ لعملِ التَّاجرِ شيْءٌ معلوم
و «لِيُوَفِّيَهُمْ» متعلق ب «تَرْجُونَ» أي بشرناهم بذلك وقدرناه لهم لنوفيهم أجورَهم، ووقع الالتفاتُ منَ التَّكلمِ في قولِهِ «مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ» إلى الغيبة رجوعا إلى سياق الغيبة من قوله «يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ» أي ليوفي اللهُ الذين يتلون كتابَهُ
والتوفية جعلُ الشيْءِ وافيًا، أي تامًّا لا نقيصةَ فيه ولا غبنَ