ولأن رمضان هو شهر القرآن كان السلف الصالح يقبلون على تلاوته ويكثرون من ختمه إلى حَدًّ يبهر العقول؛ فهذا عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في كل يوم مرة، أما قتادة رحمه الله فكان يختم في كل سبعٍ مرة، فإذا جاء رمضان ختم كل ثلاث، إلا العشر الأواخر، فكان يختم في كل ليلة، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على القرآن، وكذا كان الزهري يفعل، فإن سأل سائل ألم يَنْه رسول الله عن ختم القرآن في أقل من ثلاث؟
يجيب عن ذلك ابن رجب بقوله إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كرمضان والأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتنامًا لفضيلة الزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، ولم يكن هديهم قراءة القرآن دون تدبر أو تعقل، بل كانوا يحركون به القلوب ويبكون عند تلاوته، ففي صحيح البخاري أن رسول الله قال لعبد الله بن مسعود «اقرأ عليَّ القرآن؟» فقلت اقرأ عليك وعليك أُنزل؟ فقال «إني أحب أن أسمع القرآن من غيري» قال فقرأت سورة النساء حتى بلغت «فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا» قال «حسبك» ، فالتفت فإذا عيناه تذرفان