أما الخاضع لجهالته، فإنه لا يقل حرمان من الخاضع لشهواته، لأنه أراد لنفسه الجهل فجهل وضل، ولم يتحرر من أسره فزل وذل، فكم ضل الجاهل وأضل بسوء عمله وقوله، وكم كان نكبة على نفسه وأهله، فياله من وباء ينشر جراثيم الجهل من حوله، وقد حكم اللَّه تعالى على الجاهل بأنه ميت لأنه فقد أبرز خصائص الحياة الإنسانية، وهي تمييز النافع من الضار فقال سبحانه: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} ، وقال: {وما يستوي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاء وَلاَالأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} ،
وقال الشاعر:
وفي الجهل موت قبل موت لأهلة
وليس لهم حتى النشور نشور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم
وأجسادهم قبل القبور قبور
فالإنسان يحيا بتفكيره، وينعم بمقدار تميزه وتقديره، فإذا فقد ذلك تساوى مع الأنعام في حواسه الخمس {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} فما أصدق تشبيه اللَّه تعالى للجاهل بالأنعام، لأنه فقد تقدير العقل لما يراه ولما يسمعه، ففقد ميزة الإنسان، فأصبح لا إرادة له ولا وجود له، فلا قيمة لعمل جسده في غياب عقله، إذ لو كان القرب من اللَّه طاعة عمياء وائتمار عن غير علم ولا فهم، لكانت الشاة أكثر قربا من اللَّه ولكان الثور أجدر من الإنسان بدخول الجنة مهما كان صبورا قنوعا، فجزاء الإنسان على قدر عقله وعمله.
فتبارك اللَّه ربنا الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.