والذي يَرِد على مسألة القدر عند بعض الناس إشكالان أحدهما أن الإنسان يرى أنه يفعل الشئ باختياره ويتركه باختياره بدون أن يحس بإجباره على الفعل أو الترك، فكيف يتفق ذلك مع الإيمان بأن كل شئ بقضاء الله وقدره؟ وهذا الذي يقوله القدرية؛ أن الإنسان خالق أفعاله وليس لله فيها تَدَخُّل
والجواب على ذلك أننا إذا تأملنا فعل العبد وحركته وجدناه ناتجاً عن أمرين إرادة أي اختيار للشيء وقدرة، ولولا هذان الأمران لم يوجد فعل والإرادة والقدرة كلتاهما من خلق الله سبحانه؛ لأن الإرادة من القوة العقلية والقدرة من القوة الجسمية ولو شاء الله لسلب الإنسان العقل فأصبح لا إرادة له أو سلبه القدرة، فأصبح العمل مستحيلاً عليه
فإذا عزم الإنسان على العمل ونفذه علمنا يقيناً أن الله قد أراده وقدره، وإلا لصرف همته عنه أو أوجد مانعاً يحول بينه وبين القدرة على تنفيذه وقد قيل لأعرابي بم عرفت الله؟ فقال بنقض العزائم وصرف الهمم
الإشكال الثاني الذي يأتي في مسألة القدر عن بعض الناس، أن الإنسان يعذب على فعل المعاصي، فكيف يعذب عليها وهي مكتوبة عليه؟ ولا يمكن أن يتخلص من الأمر المكتوب عليه وهذا يقوله الجبرية الذين يقولون إن الإنسان مجبور على أفعاله حتى فعل المعاصي، لأنه لا يعمل شيئَا إلا بإرادة الله
والجواب على ذلك أن نقول إذا قلت هذا فقل أيضاً إن الإنسان يثاب على فعل الطاعات، فكيف يثاب عليها وهي مكتوبة عليه؟ ولا يمكن أن يتخلص من الأمر المكتوب عليه، وليس من العدل أن تجعل القدر حجة في جانب المعاصي ولا تجعله حجة في جانب الطاعات