فهرس الكتاب

الصفحة 1664 من 18318

أما معاني الأحاديث، وفقهها، فقوله صلى الله عليه وسلم: ذلك صريح الإيمان، ومحض الإيمان، معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا، وشدة الخوف منه، ومن النطق به، فضلا عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالا محققا، وانتفت عنه الريبة والشكوك، واعلم أن الرواية الثانية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد، وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم رحمه الله الرواية الأولى، وقيل معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه.

وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول اختيار القاضي عياض.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله، وفي الرواية الأخرى فليستعذ بالله ولينته، فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه، قال الإمام المازري رحمه الله: ظاهر الحديث أنه صلى الله وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر، بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال، ولا نظر في إبطالها، قال: والذي يقال في هذا المعنى: إن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت، فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرا طارئا بغير أصل، دفع بغير نظر في دليل، إذ لا أصل له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة، التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال، والنظر في إبطالها، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت