الوجه الثالث أنه أجابه بقوله لَنْ تَرَانِي ولم يقل إني لا أُرى، ولا إني لست بِمَرْئيٍّ، أو لا تجوز رؤيتي، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله وهذا يدل على أنه سبحانه يُرى، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى
الوجه الرابع في قوله تعالى لموسى وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه سبحانه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذي خُلق من ضعف؟
الوجه الخامس أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرًّا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته
الوجه السادس قوله سبحانه فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته تبارك وتعالى، فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع عليه أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه سبحانه وتعالى؟
الوجه السابع أن الله تعالى كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم، وأن يُسْمِعَ مخاطَبَهُ كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين؛ فأنكروا أن يكلم أحدًا أو يراه أحد، ولهذا فإن موسى سأل ربه النظر إليه لما أسمعه كلامه، وعلم من الله جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله في الدنيا