فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الصدقة: نزول عن المال كله بلا عوض ولا رد. والربا: استرداد للدين ومعه زيادة محرمة، مقتطعة من جهد المدين، أو من لحمه. من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي أخذه دينًا فربح نتيجة لعمله هو وكده هو. ومن لحمه إن كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئًا، فالربا هو الطرف الآخر للصدقة .. الطرف الطالح الطاح الذي تقشعر منه الأريحية الإنسانية. ولإيضاح مدى البعد والمفارقة في القيم المعنوية بين هذين الطرفين المتباعدين - نقول: إن ها هنا أربع درجات من الأعمال والقيم: اثنتان منها مشروعتان، إحداهما أفضل وأسمى من الأخرى، واثنتان محظورتان محرمتان، إحداهما أكبر جرمًا، وأشد حرمة من أختها.
فأما الخصلتان المشروعتان، فأقلهما التعامل على أساس العدل، الذي يأخذ فيه كل ذي حق حقه، لا ظالمًا ولا مظلومًا، من غير إرهاق ولا حرج {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} هذا حسن، وأحسن منه أن يكون التعامل على أساس الفضل الذي يتنازل فيه الكريم عن بعض حقه وحظه، ليزيد في حظ صاحبه جودًا وإيثارًا {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} وهذا هو أصل فكرة البر والإحسان.
وأما الخصلتان المحظورتان المحرمتان، فأهونهما التعامل مع المدين المعسر على أساس التدقيق في الحقوق والمشاحة فيها في حال العسرة، دون إشفاق على المعسر ولا إمهال له. إنها قسوة فاحشة، وأشد قسوة منها وفحشًا أن يكون التعامل بالربا، على أساس طلب المزيد في حظ نفسه، بالاقتطاع من حق غيره، طمعًا وجشعًا واستغلالًا للحاجات. وهذا هو أصل باب الربا الذي هو - كما قلنا - أحط أنواع المعاملات البشرية.
ونرى القرآن الحكيم يضم هذين الطرفين المتباعدين (الصدقة والربا) فيعرضهما علينا هنا متجاورين، للمعنى التربوي الذي عرفناه، ثم يعرض علينا ما بين هذين الطرفين من الدرجتين الوسطيين بعد ذلك.