ولم تكن خصلة عندهم تفوق خصلة الكرم، وقد بعثتها فيهم حياة الصحراء القاسية، وما فيها من إجداب وإمحال، فكان الغني بينهم يعطف على الفقير، وكثيرًا ما كان يذبح إبله في سنين القحط يطعمها عشيرته، كما يذبحها قرير العين لضيفانه الذين ينزلون به أو تدفعهم الصحراء إليه
ومن سننهم أكثر أنهم كانوا يوقدون النار ليلاً على الكثبان والجبال؛ ليهتدي إليهم التائهون والضالون في الفيافي، فإذا وفدوا عليهم أمَّنوهم حتى لو كانوا من عدوهم انظر كتاب العصر الجاهلي للدكتور شوقي ضيف ص
أما مكة في الجاهلية فكانت مدينة تجارية عظيمة، وأهلها اعتادوا القيام برحلتين تجاريتين؛ إحداهما إلى اليمن شتاءً، والأخرى إلى الشام صيفًا، وقد امتن الله عز وجل عليهم بهذا في سورة قريش كما هو معلوم
«وعقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي، كما عقد نوفل والمطلب حلفًا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن، وكذلك ازدادت مكة منعة وجاهًا كما ازدادت يسارًا
وبلغ أهلها من المهارة في التجارة أن أصبحوا لا يدانيهم فيها مُدانٍ من أهل عصرهم، فكانت القوافل تجيء إليهم من كل صوب، وتصدر عنها في رحلتي الشتاء والصيف، وكانت الأسواق تنصب فيما حولها لتصريف هذه التجارة فيها، ولذلك مهر أهلها في النسيئة والربا، وفي كل ما يتصل بالتجارة من أسباب المعاملات» حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل ص
من هنا نرى أن مثل هذا المجتمع العربي تندر فيه القروض الاستهلاكية، وتكثر فيه القروض الإنتاجية للتجارة
ونستطيع أن ندرك دقة الفتوى التي أجمع عليها كبار علماء المسلمين المشتركين في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة ... هـ ... م حيث أفتوا بأن «الفائدة على أنواع القروض كلها ربًا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي»