هذه مقدمة، قبل أن نعرض لأصل القضية التي سنطرحها، والتي دفعني إلى إثارتها على صفحات مجلة (التوحيد) ما نشر في جريدة الجمعة بالأخبار في 5/ 11/1976، فقد وجه إليها المواطن المسلم السيد / رجب البهنساوي هذا السؤال: (أديت فريضة الحج في العام الماضي، ولم تمكنني الظروف من زيارة المدينة المنورة، فهل يعتبر حجي قد نقص في بعض أعماله أو في ثوابه؟ وقد أحالت الجريدة هذا السؤال للإجابة عنه، إلى فضيلة الأستاذ الدكتور زكريا البري أستاذ الشريعة بكلية حقوق القاهرة، وكان مما جاء في إجابته:(أن هذه الزيارة ليست جزءًا من شريعة الحج، وعدم القيام بها، لا ينقص ثوابه الكامل) وهذا حق لا جدال فيه، ثم نبه فضيلته بهذه المناسبة، إلى أن بعض العامة حين يسافرون للحج، لا تكاد تتجه نيتهم إلى الفريضة الدينية وهي الحج إلى بيت اللَّه الحرام، فتسمع منهم أنهم نووا زيارة النبي، كما تسمع منهم بعد العودة نحو ذلك
والحق مع الدكتور زكريا البري، فكثير من المسلمين البسطاء لا ينوون تأدية شعائر الحج، وإنما ينوون زيارة قبر الرسول عليه السلام، ولقد قرأت بنفسي في قريتنا كتابات واضحة على واجهة أحد المنازل مؤداها: هذا منزل فلان .. الذي زار قبر الرسول - عليه السلام - سبع مرات، وقد يكون هنا تقصير لدى شباب الأزهر في القرى، حيث كان من الواجب عليهم أن يبصروا السذج من المسلمين بشعيرة الحج، ولكن يجب ألا نتجاهل مدى تعصب هؤلاء السذج للعاطفة المتطرف فيها ..
قلت: إن إجابة الدكتور زكريا في معظمها - مع شيء من التحفظ - إجابة لا غبار عليها، لكن فضيلته ختم إجابته بقوله:
(وإذا كان الفقيه ابن تيمية - مخالفًا جماهير علماء المسلمين - لم ير استحباب هذه الزيارة، بناء على سلوك العوام، وعلى ما ذهب إليه من عدم صحة هذه الأحاديث الواردة في الترغيب فيها، فإن في تبصير الحجيج بأحكام الحج وحكمته، وأحكام الزيارة النبوية وحكمتها ما يكفي ويشفي .. !) .