فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكون الحلال بينًا، والحرام بينًا، معناه أن في كل منهما سمات تنم عليه، وتحدث عنه كالنور والظلام، لا يختلف عليهما الناس، ولا يقع في شبهة منهما إلا من فقد بصره، كذلك الخير والشر، والحق والباطل، لا يزيغ عنهما إلا من أعماه هواه، وختم اللَّه على قلبه وسمعه، وجعل على بصرع غشاوة، ولهذا كانت دعوة الإسلام قائمة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} .
وأما أن بين الحلال والحرام مشتبهات، مما لا يعلمهن كثير من الناس، فذلك هو الذي يقع الخلاف فيه، وتتعدد وجوه النظر إليه، وذلك هو الذي يحتاج إلى نظر وتدبر، يعين عليهما علم وفقه، حيث يكون الأمر في منطقة بين الحلال والحرام، فلا يستبين وجهه إلا لذي بصيرة نافذة، وقلب سليم، كإشراقة الفجر، مع غبشة الليل، لا يفرق بين الفجر الصادق أو الكاذب، إلا أهل البصر والخبرة.
وثالثًا: أن في الإنسان عقلًا، ومن شأن هذا العقل أن يعرض فيما يعرض له، وأن يفكر فيما يفعله أو يدعه، وأن العمل الذي يأتيه من غير وعي له، وإحساس به، هو عمل آلي، لا تقوم وراءه إرادة، ولا تنفعل به، عاطفة، ولا تستجيب لندائه رغبة، وعمل كهذا لا تثبت له أصول، ولا يطلع له زهر أو ثمر .. ولهذا كانت (النية) في شريعة الإسلام أصلًا من أصول هذه الشريعة، بل هي مستند كل عمل ودعامته .. وفي هذا يقول الرسول الكريم: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ).
وهل تنعقد نية عن غير فهم، وتقدير، وتدبير لما ينتويه الإنسان؟ وهل الاجتهاد إلا نظر، وبحث عن الدليل الذي يأخذ منه المؤمن الحكم الشرعي لما يعرض له من أمور دينه أو دنياه؟ ..