وإذا كان رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قد بين أن إعفاء اللحية من الفطرة، التي هي الدين كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم: 30] ، فكأن حلق اللحية تمرد على هذه الفطرة وهذا الدين، ويعد تبديلًا لخلق اللَّه عز وجل، وتشبهًا بالنساء في نعومة الوجه، بل بالنسبة للنساء: فقد لعن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - المرأة المتنمصة، أي التي تزيل الشعر من أطراف وجهها، وترقق حاجبيها، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمرأة التي جعلها اللَّه عز وجل سكنًا لزوجها، فإن ذلك يبين لنا مدى الإثم الذي يحمله من يحلقون لحاهم، لأنهم بذلك يتشبهون بالنساء، ويقلدون المجوس، ويقلدون المشركين، غافلين عن أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمخالفتهم، ونهيه عن التشبيه بهم، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) )رواه أبو داود عن ابن عمر.
كما أن جمهور الفقهاء على تحريم حلق اللحية، مستدلين بأمر الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه بإعفائها، والأصل في الأمر الوجوب، وخاصة أنه علل بمخالفة المجوس والمشركين، ومخالفتهم واجبة، وليست مستحبة فقط.
ومن البلايا التي عمت أن بعض علمائنا المعاصرين يحلقون لحاهم، ويبيحون ذلك للناس، معللين رأيهم هذا بأن إعفاء اللحية ليس من أمور الشرع التي يتعبد بها، وإنما هو من الأفعال العادية للرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولكن الحق هو كما بينا أن إعفاء اللحى، جاء به الأمر البين الواضح من رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، معللًا بمخالفة المجوس والمشركين، ولم يثبت أن واحدًا من السلف الصالح كان يحلق لحيته، بل كلهم بلا استثناء عمل على مخالفة المشركين.