لكنهم عندما قدموا تبريرًا معقولاً لطلبهم في قولهم نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا ... إلى آخر ما قالوه؛ هنالك توجه عيسى عليه السلام إلى ربه؛ ليسأله إنزال المائدة، وإلى هذا الحد يكون الأمر قد بدا مقبولاً، وإن كان في النفوس شيء منه؛ فنذهب مع الإمام القرطبي حيث يجيبنا على هذا الإشكال إجابة شافية بإذن الله فيقول رحمه الله عن القراءة المشهورة «هل يستطيع ربُّك» المضارع بالياء مع رفع باء ربُّك أن هذا لم يكن شكًّا منهم في استطاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل هل يستطيع فلان أن يأتي، وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني أم لا؟
وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر؛ فأرادوا علم معاينة كما قال إبراهيم عليه السلام رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى البقرة ... اهـ
هذا باختصار بعض ما أورده الإمام القرطبي على القراءة المشهورة بالياء، أما على القراءة الأخرى التي سماها قراءة التاء «هَلْ تَسْتَطِيعُ ربَّك» أي هل تستطيع أن تدعو ربك؛ فإن الإشكال يزول بالكلية ويصير لا إشكال
وأيًّا ما كان الأمر؛ فإن عيسى عليه السلام دعا ربه، وربّه سبحانه استجاب له، ونزلت المائدة عليها أصنافٌ من الطعام اختلفوا في تعيينها وتعدادها؛ لكني أقول ما ظنك بمائدة يُنزلها الرحمن وتحملها الملائكة على نبيّ من أولي العزم وحوارييه؟ اللهم ارزقنا من فضلك واكفنا بحلالك عن حرامك وأغننا بفضلك عمن سواك فمهما قيل في وصفها تبقى حقيقتها أعظم من كل وصف
الوجه الثاني اختلف السلف في نزول المائدة هل أنزلها الله فعلاً أم أنهم خافوا لما قال الله لنبيه عيسى فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فلم ينزلها عليهم