نعود إلى سايق الحديث عن الطبيعيين بدورهم لنصف الجانب الذي عاش فيه هؤلاء الخاصة من رجال السياسة والحكمة ومن رجال الفكر والرأي .. ونريد بالجو الذي عاش فيه الطبيعيون الأوساط الاجتماعية والزمان والمكان. وقد عرفنا أن الزمان حول العهد الذي حكم فيه لويس الخامس عشر (أي أواسط القرن الثامن عشر) والمكان باريس .. وبقي أن نعرف شيئًا عن المجتمع الذي خالطه الطبيعيون ومنه بلاط الملك وما يليه من طبقات قليلة العدد وفيرة الثراء كثيرة البذخ شديدة الفساد .. ولا صلة لهذه الجماعات القافلة عن حقيقة الحياة بشيء اسمه الإنتاج .. ومن دون هذه القلة الغارقة في متاع محرم ولهو آثم .. مستويات من المجتمع .. ولدت في شقاء مذل .. وحملت من الجهد ما يقصم ظهور الحيوان. ثم حرمت من أسباب التماسك ما لا يمتنع على بهيمة الأنعام .. وفرض عليها أن تنسج من هذا كله حاضرها ومستقبل الأجيال من أبنائها ومن أحفادها .. حتى لا يحرم السادة من مجتمع البلاط والأثرياء جموعًا ترضخ لوقع السياط على الظهور جيلًا بعد جيل.
رأى الطبيعيون هذه الفوضى وعزوها إلى المدينة الزائفة التي صنعها الإنسان فباعدت بينه وبين جمال الطبيعة وما حوته من ضياء لا يغني عنه بريق كاذب .. ثم وازنوا بين جملة الخصال التي اجتمعت لهذه المدينة وحياة المترفين .. ما يسد الفراغ في حياة المجتمع وقد اعتزل الطبيعة .. ورأوا بوضوح كيف يفقد الإنسان كل ما يكون به إنسانًا وعلى الأخص: الفضيلة والعدل والمؤاخاة وطهارة الأعراض وصحة الأنساب وتماسك الدرجات المتكاملة للمجتمع الواحد مع الحرص على شرف المعاملات في حدود البلاد وفي العلاقات الخارجية .. هذا كله .. قد زال فإن بقيت فضلة منه .. فهي في مهب الريح.