والتَّغييرُ باليد يكون من كلِّ ذي سلطان في سلطانه، كالرجل في بيته، وكلّ من وَلي ولايةً؛ فهو سلطانٌ فيها، فإذا رأى منكرًا لا يُزال إلا باليد أزاله بيده، أما غيرُ ذي السلطان كأن يرى الرجلُ في الشارع منكرًا فليس له أن يغيِّره بيده، إلا إذا كان مفوضًا من السلطان؛ لأنَّ تغيير المنكر باليد في الشارع اليوم يؤدّي إلى مفاسد ومضارّ كثيرة، والشريعةُ إنما جاءت بجلب المنافع ودفع المضار، ولذلك كان من القواعد الأصولية المتفق عليها «درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح» ؛ وذلك لقوله لعائشة «لولا أنَّ قومك حديثو عهدٍ بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا يدخل الناسُ منه، وبابًا غربيًّا يخرجون منه، وزدتُ فيها سبعة أذرع من الحجر، فإنَّ قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة» متفق عليه
فهذا رسولُ الله ... وهو مَنْ هو يعلم أنَّ الكعبة لم تُبنْ على قواعد إبراهيم، لقلَّة مال قريش وقتَ البناء، وأنَّ بابًا واحدًا لا يكفي الناس، ولا يتمكّنون من الدخول مع ارتفاعه، فهو يرى أنَّ الأفضلَ والأرفقَ بالناس أَنْ يُدْخِلَ الحِجْر في الكعبة، وأّنْ يُلزقها بالأرض، ويجعل لها بابين، بابًا يدخلون منه، وبابًا يخرجون منه، ومع كلِّ هذه المصالح خاف أن ينفر قلب من كانوا حديثو عهدٍ بشرك من هذا الفعل، فترك كل هذه المصالح من أجل ما خافه من هذه المفسدة
فعلى الشباب أَنْ يعلموا أنَّ من الخطأ الكبير تغيير المنكر باليد من غير ذي سلطان، وفى الأمر سَعَةٌ والحمد لله، فقد جعلَ لتغيير المنكر مرتبَتيْن بعد هذه، فقال «فإن لم يستطع فبلسانه» شريطةَ أن يقول قولاً لينًا، برفق وهدوء، لا يسبُّ ولا يشتمُ، ولا يعنِّف ولا يقبِّح؛ لأنَّ الله تعالى قال لموسى وهارون عليهما السلام اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ... فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى طه