فهرس الكتاب

الصفحة 1830 من 18318

فطريفة الذكر التي ذكرها أبو حامد هذه لا أصل لها في الشرع، وإنما هي من الابتداع الذي تأثروا فيه بالكهان، وبالفلاسفة، وبالصوفية من أبناء الملل الأخرى، وغايتها غايتهم أيضًا. وفي هذا يقول ابن سينا مروجًا للتصوف، وهو لا يدري أنه يهدمه بذلك، ويخرجه من ملة الإسلام: (وذلك مثل ما يؤثر عن قوم من الأتراك، أنهم إذا فزعوا إلى كاهنهم في تقدمة معرفة، فزع هو إلى شد حثيث جدًا، فلا يزال يلهث فيه، حتى يكاد يغشى عليه، ثم ينطق بما يخيل إليه ... فإن جميع ذلك مما يشغل الحس بضرب من التحير، ومما يحرك الخيال تحريكًا محيرًا، كأنه إجبار لا طبع، وربما أعان على ذلك الإسهاب في الكلام المختلط، والإيهام لمسيس الجن، وكل ما في ذلك من التحيير والتدهيش، فإذا اشتد توكل الهم بذلك الطلب، لم يلبث أن يعرض ذلك الاتصال، فتارة يكون لمحان الغيب ضربًا من ظن قوى، وتارة يكون شبيهًا بخطاب جنى، أو هتاف من غائب، وتارة يكون مع ترائي شيء للبصر مكافحة(أي مواجهة) حتى تشاهد صورة الغيب مشاهدة).

وهذا تفسير جيد من ابن سينا لما يدعيه الغزالي من الكشف والمشاهدة، وهكذا فإن الأمر كما يقول أبو الفرج ابن الجوزي أيضًا حين يتساءل عما يشاهده أبو حامد الغزالي أو يسمعه في خلوته هو أو غيره: (من أين له أن الذي يسمعه نداء الحق، وأن الذي يشاهده جلال الربوبية، وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة. وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم، ويسير في هذا الطريق، فإنه يغلب عليه الماليخوليا، فيرى خيالات، فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية إلى غير ذلك) .

هذا هو إحياء علوم الدين، وهذه هي علوم الدين كما يراها الغزالي أما نحن وكل مسلم عاقل، فيراها خبلًا واضطرابًا، وأوهامًا، وسحرًا وكهانة.

د. إبراهيم هلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت