2 -ليس من حقه رفض هذا الحديث أو أي حديث آخر لأنه (اصطدم بعقله اصطدامًا) على حد تعبيره. فالعيب الذي سبب هذا الاصطدام ليس من الحديث بل من العقل. فكل المتهمين بالعلوم الحديثة يحترمون عقولهم احترامًا عظيمًا. ومن احترام العقل أن نقارن العلم بالجهل. العلم يتكون من أكداس المعرفة التي تراكمت لدى الإنسانية جمعاء بتضافر جهودها جيلًا بعد جيل لسبر أغوار المجهول. أما الجهل فهو كل ما نجهله، أي ما لم يدخل بعد نطاق العلم. وبالنظرة المتعقلة نجد أن العلم لم يكتمل بعد. وإلا لتوقف تقدم الإنسانية. وأن الجهل لا حدود له. والدليل على ذلك تقدم العلم وتوالي الاكتشافات يومًا بعد يوم من غير أن يظهر للجهل نهاية. إن العالم العاقل المنصف يدرك أن العلم ضخم ولكن حجم الجهل أضخم. ولذلك لا يجب أن يغرقنا العلم الذي بين أيدينا من الغرور بأنفسنا. ولا يجب أن يعمينا علمنا عن الجهل الذي نسبح فيه. فإننا إذا قلنا إن علم اليوم هو كل شيء. وإنه آخر ما يمكن الوصول إليه أدى ذلك بنا إلى الغرور بأنفسنا، وإلى التوقف عن التقدم، وإلى البلبلة في التفكير. وكل هذا يفسد حكمنا على الأشياء، ويعمينا عن الحق حتى لو كان أمام عيوننا، ويجعلنا نرى الحق خطأ، والخطأ حقا. فتكون النتيجة أننا نقابل أمورًا تصطدم بعقولنا اصطدامًا. وما كان لها أن تصطدم لو استعملنا عقولنا استعمالًا فطريًا سليمًا يحدوه التواضع والإحساس بضخامة الجهل أكثر من التأثر ببريق العلم والزهو به.