ولما فرض اللَّه تعالى الصلاة على عباده، لم يترك لهم حرية الاختيار في أدائها، بل أوجب عليهم أن يؤدوها - كما شرع - في المساجد، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءالزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَإلاَّبْصَارُ. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 - 38] .
فقد أمر اللَّه أن تشيد المساجد لعبادته، وجعل عمارتها بأداء الصلوات المكتوبات فيها من الإيمان {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] .
كما جعل اللَّه تعالى من يحرص على الجماعات في المساجد، من السبعة الذين يظلهم اللَّه يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله (( ورجل قلبه معلق بالمساجد ) ).
ولم تكن الصلاة في المساجد إلا لحكم بالغة، ففيها جمع لقلوب الناس من أجل عبادة تهذب النفوس، وتزكي الأخلاق، ومن هذه الحكم التي تتميز يها صلاة الجماعة ما يلي:
1 -المساواة بين الناس: لأن الغني يقف بجانب الفقير، والعظيم بجانب الصغير، فتتساوى الرءوس كما تساوت الأقدام في صفوف صلاة الجماعة، وجلال هذا الموقف لله تعالى ينسي الناس مظاهر التفاوت بينهم من مال أو صورة أو جاه.
2 -تعويد الناس النظام: لأن المأموم لا يجوز أن يسبق إمامه، كما لا يجوز أن يتأخر عنه كثيرًا أو يخالفه، بل لا بد أن يكون تابعًا له في أفعاله، كما أن تسوية الصفوف واتجاه الجميع إلى جهة واحدة وغرض واحد، يمثل أعلى درجات النظام.