وعندما حان موعد المحاضرة .. اتخذ المحاضر الجليل مكانه، ثم انبرى في صوت رتيب، ونبرة هادئة، وعبارة واضحة يقول:
(إذا كنا أنا وأنت من سكان عمارة، في حي مأهول، ضمن أحياء عديدة من مدينتنا الكبرى، فإن هذه المدينة ليست سوى واحدة من مدن كثيرة، متناثرة فوق أرض جمهوريتنا الحبيبة ... وجمهوريتنا إحدى دول يربو عددها على أربعين دولة تقع جميعها في أفريقية .. تلك القارة التي تعد واحدة من قارات خمس كبرى يتكون منها الجزء اليابس من الأرض ... )
ويمضي الأستاذ في محاضرته، بينما أنا آخذ طريقي إلى خارج المسجد لارتباطي بموعد سابق .. إلا أن صوته يلاحقني من بعيد .. فألتقط منه:
(والأرض ما هي إلا كوكب من كواكب تسعة تدور حول الشمس .. والشمس نجم متوسط الحجم يقع عند أطراف مجرة هائلة، نطلق عليها اسم الطريق اللبنى أو طريق التبانة ومجرتنا واحدة من مجرات عديدة) .
ويخفت الصوت شيئًا فشيئا، ويضيع مني الصوت تمامًا. وآسف على ذلك أشد الأسف لكونى لم أتمكن من متابعة هذه المحاضرة الشيقة، التي تصف في أولها البناء الرائع للكون الذي ننتمي إليه وتركيبه البديع. ومضيت أفكر كثيرًا في موضوع هذه المحاضرة ... وكلما ازددت تفكيرًا فيه ازددت ميلًا إليه وشغفًا به وحبًا له. ورأيت أن أخلو لنفسي من حين لآخر أتطلع إلى السماء وأنظر إلى الأرض، وأنا على ثقة في أن كل ما سوف يقع عليه بصري إنما جزء من هذا الكون الفسيح الممتد {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} .