وأخباره مع شيوخه وأهل العلم وأخبار حفظه وإتقانه كثيرة جدًا نكتفى منها بما حدث له عندما قدم بغداد، وكانت شهرة حفظه قد سبقته، وذاع صيته في مختلف البلدان، فلما قدم بغداد أراد أهل الحديث امتحانه، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها (المتن نص الحديث والسند سلسلة الرواة) ، وأتوا بعشرة رجال ليلقي كل منهم على البخاري عشرة أحاديث من هذه المائة التي قلبوا متونها وأسانيدها، وكلما سئل البخاري عن حديث منها قال: لا أعرفه ... وهكذا حتى انتهى عرض هذه الأحاديث المقلوبة كلها عليه، وهو لا يزيد على قوله: لا أعرفه. ولما فرغوا من إلقاء الأحاديث عليه: التفت إلى أول الرجال العشرة وقال له: أما حديثك الأول فصحته كذا، وحديثك الثاني فصحته كذا ... إلى آخر الأحاديث العشرة فصحح متونها وأسانيدها، وفعل مع باقي الرجال هكذا إلى أن فرغ من المائة حديث، فأقر له الناس بالحفظ والضبط والاتقان.
قال الحافظ ابن حجر: ليست الغرابة أن يعرف البخاري صوابها من خطئها، فهو الإمام الحافظ الذي لا ينكر عليه معرفة الصحيح من الضعيف، ولكن الغرابة في أن يرد المائة حديث على ترتيب ما سمعها.
(الجامع الصحيح)
صنف الإمام البخاري كتابه من ستمائة ألف حديث في ست عشر سنة وما وضع حديثًا إلا وصلى ركعتين وقال: (جعلته حجة بيني وبين اللَّه سبحانه) وعدد أحاديث صحيح البخاري (7275) حديثًا بالمكرر، وبحذف المكرر منها تبلغ أربعة آلاف حديث، وقد سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل من أهل عصره، ويعتبر صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب اللَّه عز وجل، وقد أجمعت الأمة الإسلامية على منزلته فكان منها محل حفظ وعناية ودراسة وتقدير.