قالوا بأن الزراعة هي الصورة الخالدة الصافية لما يمكن للإنسان أن يستمده من الثروة بالمعنى الاقتصادي، ومن ثم رفعوا الزراعة فوق غيرها من صور السعي لكسب المعاش.
وقالوا بأن حياة الريف بما فيها من بساطة وهدوء هي الحياة الأفضل على الرغم مما يبدو على هذه الجماعة الآخر بأسباب الفضيلة، من زهد نسبي في متاع الحياة الدنيا، فإن الكتاب الثقات يقولون بأن الاقتصاد الحديث تأثر بكتابات الطبيعيين في كل من أسلوب البحث والهدف منه. فمن الأسلوب يقال بحق إن الطبيعيين عرفوا بدقة المتكلمين والمناطقة وكان لحرصهم هذا على الالتزام بالمنهج العلمي الدقيق في تحليل المسائل المطروحة على بساط البحث وسلامة الترابط بين المفردات واستخلاص النتائج كان لحرصهم هذا مع الثبات عليه في معظم كتاباتهم آثار كبيرة على أساليب البحث التي اتخذها من جاء بعدهم من الكتاب الذي عرضوا المادة (( الاقتصاد ) ).
وأما الهدف الذي شغلهم تحقيقه، فقد أكسبهم احترام الأجيال من عهدهم إلى يومنا هذا ... ذلك أن هدفهم هذا لا يذكر لمجرد القول بأن غيرهم قد تابعهم فيه بل يذكر لما فيه من تشريف لتاريخ الدراسات الاقتصادية كلها .. ذلك أنه قبل كيزناي وجماعته ما كانت تلك الدراسات تثير في النفس السوية أي احترام بل كانت تتراوح بين تثبيت الظلم وتغليب القهر فوق الحق وإشاعة الفساد .. فإن كان بين الأهداف ما هو أقل بعدًا عن الإنسانية فهو الملق والرياء، أو التقرب إلى السلطان .. كأنما كانت هذه القربى غاية الغايات من الدراسات.