وعلى هذا الذي أوجزناه في كلمات ... إجماع .. فقد كان الهدف الأول من البحث في الاقتصاد السياسي هو توفير فائض من المعدن النفيس لتمكين الملك من دفع رواتب الجند ورشوة قواد الأعداء (كما ذكرنا من قبل) .. وكان من الأهداف أيضًا إثارة الطريق أمام التجارة لتحقيق أضعاف مضاعفة من الثروات .. وملء خزانة الملك مع خزائن المقربين .. وإلى هنا وصل اجتهاد الرواد الأوائل .. قبل (( كيزناي ) )أو ذلك مبلغهم من العلم!!
فلما عكف الطبيعيون على التقعيد لمذهبهم كان هدفهم (لأول مرة في تاريخ الاقتصاد الوضعي) توجيه الدراسات الاقتصادية إلى الكشف عن الوسائل الفاعلة التي تقدر على التخفيف من آثار الحرمان أو الفقر المهدر لكرامة الآدمي.
ومن هذا التحول المبكر - في عهد الطبيعيين - نحو هدف إنساني .. اصطبغت الدراسات الاقتصادية بصبغة تؤهلها للدخول في ميادين الدراسات الإنسانية، وعلى هذا النهج سار الكتاب حتى أصبح الهدف الأول في الدراسات الحديثة والمعاصرة هو ما فكر فيه الطبيعيون .. وإن زاد على تتابع الجهود صقلًا وتهذيبًا .. فيقولون مثلًا .. بأن الهدف (( هو تحقيق حياة أفضل لجملة الناس ) )أو يقولون: (( هو رفع مستوى الرفاهة وتوفير مزيد الأمن ) ).. وسنصرف النظر إلى هنا بعد ما بين الأقوال والأعمال ولكن هكذا يقرر الكتاب وبهذا ينادى قادة الفكر الاقتصادي من بعد (( كيزناي ) )ومدرسته ولكن نستبين مدى الجرأة والصلابة متى تميزت بها هذه الجماعة من العلماء من نلاحظ أن أحدًا من قبلهم (فيما بين القرن الخامس عشر والثامن عشر) لم يحاول في صراحة أن يقول بأن الدراسة العلمية المنهجية .. إنما تهدف إلى الإنصاف وتخفيف الشقاء عن الكادحين، فقد كانت أقوال كهذه تعتبر عظة لا محربًا بها ولا بمصدرها، كما تعتبر إثارة للشغب ومن ثم تكون سببًا للمساءلة أمام القانون وما يؤيده من تعذيب ومن سجون إن صح أن يكون هذا هو القانون!!
وسنلمس الأثر الكبير للطبيعيين حين نرى سلوك غيرهم من قبلهم، من العلماء دائمًا فقد كتب (فوبان) مثلًا قبل عدهم بنحو ستين سنة (أي في سنة 1717) ، وظهرت في كتاباته علامات الاهتمام بشئون الناس كافة: والدرجات الكادحة والفقير خاصة .. ولم يسعه إلا أن يبرر هذا المسلك غير المألوف من علم رزين، سجل التاريخ اعتذاره الذي صاغه في عبارة تناقلتها الأجيال .. قال مبررًا عنايته بشئون الضعفاء، (( إذا بتأس الشعب، افتقر الملك، ومن ثم يكون اهتمامه بصلاح حال الكثرة إنما يراد به تحقيق المزيد من الثراء والرفاهة لمن في رعايته ) )!!
ولقد ذهب الدارسون في تقدير مثل هذه الأقوال المنسوبة إلى فوبان مذاهب شتى لا تخلو من الاجتهاد .. ومن ثم ظهر الخلاف بين كاتب وآخر عند تحديد العلاقات الكبرى على طريق الفكر الاقتصادي .. وعند تقدير الوزن الصحيح لكل مدرسة وحساب ما لها وما عليه. (يتبع) .