وعلى مر التاريخ وتعاقب الليالي والأيام، منيت المكتبة العربية بما تمني به الدول والعروش، وأصابها ما يصيب الأعمار من عوامل الفناء، فكان من غزو التتار بغداد، واعتداء الصليبيين على حلب والشام وسطوة الأسبان بالأندلس، فذهب كثير من نفائس الكتب وأحرارها، وضاع معظم ما ألفه الجاحظ وابن قتيبة والطبري والمسعودي والمعري والفخر الرازي والقطبي وغيرهم من أعلام المصنفين.
-ولكن على الرغم من هذه المحن، وتتابع الكوارث، فقد سلم من تلك العوادي قدر من الكتب يزخر بصنوف الفنون والآداب، قدره بعض الباحثين بثلاثة ملايين من المخطوطات، وحسبك من هذه المخطوطات ما ذكره بروكلمان في كتابه والدكتور فؤاد سسجين في مصنفه.
-هذه المخطوطات تزخر بها الآن مكتبات القاهرة ودمشق وحلب والموصل وبرامبور وكلكتا من بلاد المشرق، ومكتبات تونس والجزائر والرباط في شمال أفريقية ومكتبات استانبول وبراغ وبرلين والمتحف البريطاني والأوسكريال بأسبانيا والمكتبة الأهلية بباريس وغيرها من مكتبات أوربا وأمريكا، مما يثبت بوضوح أن الأمة العربية خلفت آثارًا جليلة عادت على الحضارة الإنسانية بالتقدم والارتقاء، وأن العرب قاموا بدورهم في التطور الفكري العام بحماسة وفهم وهيئوا العقول للتفكير العلمي الحديث.
-ومن واجبنا اليوم، ونحن نبني حضارتنا على قواعد أصيلة، أن ننشر هذا التراث على منهج علمي مدروس، ففي نشره إنصاف لحضارة العرب، وكشف عن أمجادهم في شتى الميادين، وفيه ما يدفع الناشئة إلى اقتفاء تراث أسلافهم والاعتزاز بتاريخهم بل إن في نشره ما يجعلهم يحسون بأن لهم كيانًا معتبرًا في عالم الكشف والاختراع، وأنه يمكن لهم السير مع الأمم في ركب الحضارة بخطا واسعة وبهمة تملؤها العزة والكرامة.
محمد أبو الفضل إبراهيم