-ولما اتصلوا بالفرس وامتزجوا باليونان والروم، بالفتح أو الغزو أوالجوار، أخذوا في ترجمة علومهم وفنونهم، في الطب والهندسة والفلك والرياضيات، وتمثلوا معارفهم أصدق تمثل، ثم ألفوا في كل هذا وأبدعوا، حتى الأسمار والخرافات كان لهم فيها جولة ونصيب: وفي قصص ألف ليلة وليلة من روعة الخيال وسحر القصص شيء عجيب. وبكل هذا أصبحت حضارتهم ممتزجة بحضارات الأمم كلها، وغدت معاهد بغداد وبخاري والقاهرة والاسكندرية وغرناطة وصقلية تقصد من كل مكان.
-وعلى مر الزمان تفشت الكتابة وتيسر الورق والقلم والمداد، وظهر ما كان يسمى قديمًا بالوراقة، فما تكاد الكتب تصدر عن مؤلفيها حتى يسارع الوراق، والنساخون إلى كتابتها، فيستطير أمرها، ويسير على الأفواه ذكرها، فيسارع العلماء والأمراء والملوك إلى اقتنائها، وكثرت هذه الكتب، وامتلأت بها خزائن العراق والشام والمغرب والأندلس في شتى المعارف والفنون والآداب.
روي أن الرشيد لما ركب إلى الرقة في بعض أسفاره حمل معه ثمانية عشر صندوقًا مملوءة كتبًا، ليقطع الطريق بالقراءة فيها، وكان الصاحب بن عباد يصحب في أسفاره ثلاثين جملًا تحمل عليها كتبه. ولما أنشأ الرشيد بيت الحكمة ببغداد جمع فيه ما نقل إلى العربية مما ترجم من اللغات الأخرى، وما ألف من العلوم الإسلامية إلى عهده. ولما تولى المأمون جمع في هذا البيت كتب العلوم بلغاتها، وكانت مكتبة الحكم المستنصر في قرطبة تحوى ألوف الكتب، ذكروا أن فهارسها بلغت أربعة وأربعين فهرسًا. وحوت مكتبة العزيز باللَّه الفاطمي ألوف الكتب ذكروا أنه كان فيها عشرون نسخة من تاريخ الطبري إحداها بخط المؤلف.