وهذا الفريق - فريق المنافقين - شر على الإسلام والمسلمين من فريق الكافرين، لأن الكافرين صارحوا بالكفر والعداوة، فأنصار الحق منهم على حذر، وكل ما يصدر منهم ينظر إليه بعين الحذر، وأما المنافقون فلإظهارهم الإسلام اتصلوا بالمسلمين، وأجريت عليهم أحكام الإسلام، فمكنهم هذا من أنواع من الكيد والفتنة والتضليل والافتراء لم يتمكن منها الكافرون، وكانوا بذلك أبغض الكفار إلى اللَّه، فأنزلهم في النار شر منزل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145] ، ولهذا أسهب القرآن في شأنهم، وذكرهم في ثلاث عشرة آية من آياته، فبين حقيقتهم ونفاقهم وكذبهم ورياءهم بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} وبين خداعهم وجهلهم بقوله: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} وبين منشأ نفاقهم بقوله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وبين غرورهم بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} ، {وإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء؟} وبين تلونهم وجبنهم، ومقابلتهم للمؤمنين بوجه، وللكافرين بوجه - بقوله: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} ، وبين جزاءهم بقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزئُُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ - أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} . وزاد حالهم جلاء ووضوحًا بأن ضرب لهم مثلين حسيين يصوران حيرتهم وخيبتهم بصورة مرئية محسوسة، وبهذا دل القرآن على خطر النفاق وسوء عقبي المنافقين.