فالأعمال المرضية - من صلاة وزكاة وصوم وحج، وبر وصلة وإحسان ونحوها - ينبغي ألا تدخل فيها إلا بعد التهيؤ لها بصفاتها وشروط صحتها، وبكل ما تستدعيه هذه العبادات من شرط حسي ومعنوي، ولا سبيل لك إلى ذلك إلا من كتاب اللَّه وهدي رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا ورد قلبك هذا المنهل العذب من العلم النافع: أقبلت على العبادة بقلب سليم يقظ، ونفس محتاجة فقيرة أشد الحاجة والفقر إلى ما في هذه العبادة من رضوان اللَّه وإصلاح لها، وعلاج لأمراض قلبك، ودواء لمجتمعك من كل ما تشكو منه، ثم أدخل في العمل وقد اتصلت نفسك به وامتزجت كل الامتزاج، بحيث لا يكون في ذهنك سواه، حتى كأنك خلقت الآن لهذا العمل، وأنت ميت بعده مباشرة، وأنه هو الذي ستلقى به ربك، ولا تزال كذلك حتى تتم عملك، فتجد إن شاء اللَّه: أن ربك قد غرس في جنة قلبك شجرة مباركة طيبة يثبت أصلها في قلبك وتذهب فروعها في السماء، فتؤتيك أكلها في كل حين بإذن ربها: من زيادة إيمان وهدى، وزيادة علم بربك وحب وخشية لربك، وتقدير وشكر لنعم ربك، وينفعك كل ذلك في كل شأنك مع أهلك وإخوانك وفي عبادتك المستقلة، فلا تزال تزداد إيمانًا وهدى وحبًا وكرامة، ورفعة على معارج الكمال الإنساني والكمال الديني.
وهكذا الشأن في عملك الدنيوي، اعرف مقدماته ومبدأه وسبيله وغايته، وأقبل عليه بعزم صادق وروية وحكمة وسداد، مؤمنًا بسنة ربك في التدرج، فإنه الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، ولو شاء لخلقها في طرفة عين، فاعرف ذلك جيدًا، وخذ سبيلك في كل عملك على هداه، بحيث لا تنتقل من خطوة إلى أخرى إلا إذا ثبت قدم علمك وعقلك وتقديرك في الأولى، وعرفت موضع خطوك في الثانية كذلك، وهكذا، فإنك بذلك تبلغ الغاية التي تسعى إليها على هدى ورشد، وتنال الفلاح في دنياك وآخرتك.