رأينا (في تفسير الآيات من 8 - 13 في العدد السابق) من صفات المنافقين - الذين يظهرون بألسنتهم الإيمان، ويبطنون في قلوبهم الكفر - كذبهم (من الآية الثامنة) ، وجهلهم وخداعهم (من الآية التاسعة) ، ومرض عقولهم (من الآية العاشرة) ، وغرورهم (من الآية 11 - 13) .
وفي هذه الآية الرابعة عشر يصفهم اللَّه بالتلون والجبن والضعف، ومقابلتهم للمؤمنين بوجه وللكافرين بوجه: {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} .
من شأن المنافق التلون والجبن وضعف الإرادة، إذ لو كان شجاعًا قوي الإرادة لصرح بما في نفسه، وجاهر بكفره وعداوته، ولما أظهر خلاف ما يضمر. ومن شأن الجبان التلون، ولقاء الناس بوجهين ولسانين، فإذا لقي المؤمنين قال: أنا مؤمن، وإذا لقي الكافرين في خلوة بعيدًا عن المؤمنين قال: إني معكم على كفركم، وعدائكم للحق وأتباعه، وتعلل لإظهار الإيمان للمؤمنين بقوله: إنما أنا مستهزئ بالمؤمنين، مستخف بهم، إذ أعمل على خلاف ما أقول لهم.
وقد صور اللَّه نفاق المنافقين في هذه الآية أبدع تصوير، إذ عبر عن ملاقاتهم للمؤمنين بكلمة (لقوا) كأن لقاءهم للمؤمنين مصادفة لا يحرصون عليه، وعبر عن ملاقاتهم لشياطينهم (شياطين المنافقين: من بقي منهم على الكفر لم يظهر الإيمان، أو رؤساؤهم، والقائلون: صغار المنافقين، والشيطان لغة: كل عات متمرد من الإنس والجن والدواب، كما قاله الجوهري، ارجع إلى عمود 1 ص 1063، جـ 6، السنة التاسعة والأربعون عدد شعبان 1397 من مجلة الأزهر) بكلمة (خلوا) لأن الخلوة تطلب قصدًا للإدلاء بالأسرار، وعبروا عن إيمانهم بقولهم: (آمنا) بالفعل الماضى، ليظهروا للمؤمنين أنهم معهم من زمن مضى، وعن معيتهم لشياطينهم بقولهم: (إنا معكم) بالجملة الاسمية المفيدة للدوام، المؤكدة بأن.